تظل نسخة كأس العالم 1974، التي استضافتها ألمانيا الغربية، واحدة من أبرز النسخ في تاريخ كرة القدم؛ حيث شهدت مواجهة بين مدرستين كرويتين مختلفتين هما “الكرة الشاملة” الممتعة لهولندا من جهة، و واقعية وانضباط ألمانيا الغربية ومن جهة أخرى.
ونجح الهولنديون في إبهار العالم بأسره، بقيادة العبقري يوهان كرويف. واعتمد أسلوبهم المتطور على الحركة المستمرة، حيث يشارك جميع اللاعبين في الشقين الهجومي والدفاعي، متبادلين مراكزهم بمرونة غير مسبوقة. وحولت هذه الفلسفة المستوحاة من نادي أياكس أمستردام كرة القدم إلى عرض متكامل تتداخل فيه التقنية وو الحركية و الدكاء .
وخلال مجريات البطولة، هيمنت هولندا على خصومها ببراعة شديدة، وتفوقت خصوصا على الأرجنتين والبرازيل (حاملة اللقب حينها) بسلاسة مبهرة. وجسّد كرويف، بصفته قائد الأوركسترا الحقيقي، هذا الفريق الجريء والمبدع الذي أوحت كل المؤشرات إلى أنه سيدخل التاريخ بصفته أحد أعظم المنتخبات العالمية.
في المقابل من ذلك، امتلكت ألمانيا الغربية أسلحة قوية. وجمع المنتخب الألماني، بقيادة عميده القيصر فرانتس بيكنباور، “الليبرو” العصري الحقيقي، وهدافه المرعب جيرد مولر، (جمع) بين الصرامة التكتيكية والقوة الذهنية والنجاعة الهجومية. ورغم أن المنتخب الألماني بدا أقل بريقا من منافسه، إلا أنه تميز بقدرته الكبيرة على إدارة اللحظات الحاسمة.
بدأت المباراة النهائية، التي أقيمت في ميونخ، بشكل لم يتوقعه أحد. فمنذ ثواني اللقاء الأولى، حصل كرويف على ركلة جزاء دون أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة، نفذها يوهان نيسكينز بنجاح ومنح التقدم لهولندا. ومع ذلك، وبدلا من الاستسلام أمام تلك النتيجة، ردت ألمانيا الغربية ببرودة دم، وسجلت التعادل من ضرية جزاء انبرى لها بول برايتنر، قبل أن يضيف جيرد مولر هدف الفوز قبيل نهاية الشوط الأول.
وفي الشوط الثاني، صمد الألمان أمام السيطرة الهولندية بفضل تنظيمهم الدفاعي المحكم، لتظل النتيجة على حالها (2-1)، مانحة ألمانيا الغربية لقبها العالمي الثاني.
لقد جسد ذلك النهائي حقيقة تكون أحيانا قاسية في الرياضة، وهي أن اللعب الجميل لا يضمن الفوز دائما. فبينما غادرت هولندا “كرويف” البطولة دون التتويج بالكأس، رغم إرثها الكروي العظيم، دونت ألمانيا الغربية اسمها في سجل المتوجين بفضل نجاعتها وصلابتها الذهنية.
و الواقع ان كأس العالم 1974 تركت إرثا مزدوجا: إرث البطل البراغماتي، وإرث المنتخب الهولندي الذي تحول إلى أسطورة بعدما نجح في إحداث ثورة في كرة القدم، تجاوزت بأبعادها مجرد النتائج الرقمية.




